سهيلة عبد الباعث الترجمان

676

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فيه المحسوس والمعقول ، والموهوم ، والخيال ، والأول والآخر ، والظاهر والباطن ، والقول والفعل ، والصورة والمعنى ، فكل هذه الصور هي صور جماله اقتضتها أحكام رتبته حين تجلى لها ، فيقول مخاطبا : ولكنّها أحكام رتبتك اقتضت * ألوهية للضدّ فيها التجامع تجمعت الأضداد في واحد البها * وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع « 1 » وعلى هذا فإن من أسماء اللّه ما يتضمن الإشارة إلى هذا التكثر والتعدد في الموجودات وأثرها في بسط هذه الكثرة ، وإخراجها من العلم إلى الشهادة ، فاسمه " الباعث " واسمه " المبدىء " واسمه " الجامع " تتضمن الإشارة إلى ذلك ، ففي اسمه الباعث يقول : " اسمه الباعث هو الذي يبسط هذه الكثرة الوجودية من الوحدة الذاتية . . . فلو لا انبعاث التكثير في الوحدة لما تغيرت النسب ، بل ولا ظهر شيء من الأسماء والصفات ، ولا من النسب والإضافات لأن الوحدة منافية لجميع ذلك " « 2 » . ولا ينسى الجيلي إبراز دور الإرادة الإلهية وأثرها في إيجاد الكثرة الوجودية ، فالكثرة كما يراها لم تصبح في حكم الوجود الفعلي ، ولم تنتقل من الوجود الكامن في الذات الإلهية إلّا بفعل الإرادة التي شاءت إيجاد العالم وإخراجه من كنزيته المخفية التي عبّر عنها الجيلي بالياقوتة البيضاء ، وهي الأصل الذي يبطن فيه الوجود قبل ظهوره ، حيث أشار إلى ذلك بأن اللّه تعالى كان قبل أن يخلق الخلق في نفسه ، وكانت الموجودات مستهلكة فيه ، ولم يكن له ظهور في شيء من الوجود ، تلك هي الكنزية التي شاء الحق أن يخرجها ليعرف ذاته بها ، فكان هذا أصل الوجود جميعه ، لذا فإن المراتب المتعددة للذات الإلهية كالواحدية والألوهية والرحمانية وما ترتب عليها من ظهور الكثرة الوجودية وظهور العالم كانت بفعل الإرادة الإلهية التي أرادت ذلك ، مع بقاء الواحد في نفسه من غير تعدد ، وكذلك الصفات والأسماء مهما تعددت فهي عين الذات ، فالمخلوقات جميعها إنما صدرت عن خالق واحد ، وهي ليست سوى مظاهر مختلفة لإرادة واحدة هي إرادة الحق الذي من صفاته الخلق ، وليس التعدد والتكثر بهذا

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 62 . ( 2 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 23 ، ص ب .